سيد محمد طنطاوي
210
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : وإذا جاء إليكم - أيها المؤمنون - أولئك اليهود أظهروا أمامكم الإسلام ، وقالوا لكم آمنا بأنكم على حق ، وحالهم وحقيقتهم أنهم قد دخلوا إليكم وهم متلبسون بالكفر ، وخرجوا من عندكم وهم متلبسون به - أيضا - فهم يدخلون عليكم ويخرجون من عندكم وقلوبهم كما هي لا تتأثر بالمواعظ التي يلقيها الرسول صلى اللَّه عليه وسلم لأنهم قد قست قلوبهم ، وفسدت نفوسهم . وقوله : * ( وقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ ، وهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِه ) * جملتان في موضع الحال من ضمير الجمع في * ( قالُوا ) * . والباء في قوله : * ( بِالْكُفْرِ ) * وقوله : * ( بِه ) * للملابسة . أي : دخلوا وخرجوا وهم متلبسون بالكفر من غير نقصان منه ولا تغيير فيه البتة . قال الفخر الرازي : وذكر عند الدخول كلمة * ( قَدْ ) * وذكر عند الخروج كلمة * ( هُمْ ) * لأن الفائدة من ذكر كلمة * ( قَدْ ) * تقريب الماضي من الحال . والفائدة من ذكر كلمة * ( هُمْ ) * التأكيد في إضافة الكفر إليهم ، ونفى أن يكون للنبي صلى اللَّه عليه وسلم في ذلك فعل ، أي : لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرا ، فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر ، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم » « 1 » . ويبدو لنا أنه عبر عن دخولهم بقوله * ( وقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ ) * وعبر عن خروجهم بقوله : * ( وهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِه ) * بإضافة ضميرهم مع قد ، للإشارة إلى أنهم عند خروجهم كانوا أشد كفرا ، وأقسى قلوبا منهم عند دخولهم . وهذا شأن الجاحدين المنافقين ، لا تؤثر فيهم العظات مهما كانت بليغة ، ولا النذر مهما كانت قوية ، بخلاف قلوب المؤمنين فإن المواعظ تزيدها يقينا على يقينها ، وإيمانا على إيمانها . ألا ترى إلى قوله - تعالى - : وإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْه هذِه إِيماناً ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهُمْ كافِرُونَ « 2 » . وقوله - تعالى - * ( واللَّه أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ ) * وعيد شديد لهم على كفرهم ونفاقهم . أي : واللَّه - تعالى - أعلم بما كانوا يخفونه من نفاق وخداع عند دخولهم وعند خروجهم ، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية من أحوالهم .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 12 ص 28 . ( 2 ) سورة التوبة . الآيتان 124 و 125 .